Abstract
لأميرة الهاشمية بديعة بنت الملك علي وشقيقة الملكة عالية وأخت الأمير عبد الإله , خالة الملك الشهيد فيصل الثاني ،،، وهي الوحيدة التي نجت من غدر غوغائي العسكر الذين قتلوا و صفوا العائلة المالكة في مجزرة قصر الرحاب في صباح 14 تموز عام 1958
الأميرة بديعة وريثة العروش آخر أميرات العراق
الأميرة الهاشمية بديعة بنت الملك علي وشقيقة الملكة عالية وأخت الأمير عبد الإله , خالة الملك الشهيد فيصل الثاني .. وهي الوحيدة التي نجت من غدر غوغائي العسكر الذين قتلوا و صفوا العائلة المالكة في مجزرة قصر الرحاب في صباح 14 تموز عام 1958 , وهي زوجة ( الراحل ) الشريف حسين بن علي.
نجت الأميرة بديعة النجاة من تلك المذبحة الشنيعة مع زوجها و أبنائها وذلك بلجوئهم إلى سفارة المملكة العربية السعودية في منطقة الوزيرية كمكان أمن يوم 15 تموز 1958 بعد قضائهم اليوم السابق في دار صديق العائلة وهو عبد القادر رانية وهو الذي أوصلهم بسيارته إلى السفارة السعودية , حيث بقت وزوجها و أبنائها بحماية السفير السعودي لمدة شهر وبتعليمات وتوجيه مباشر من الملك سعود بن عبد العزيز إلى السفير السعودي إبراهيم السويل , إلى أن هيئ لهم سبيل مغادرة العراق جوا.
في مجموعة من الأفلام بأجزائها الأربعة وهي بعنوان وريثة العروش أخر أميرات العراق:
تتحدث و تسترجع بذاكرتها كل تلك الأحداث بحلوها ومرها.
الجزء الأول
وريثة العروش أخر أميرات العراق – الحلقة 1 ج 1
الجزء الثاني
وريثة العروش أخر أميرات العراق – الحلقة 1 ج 2
الجزء الثالث
وريثة العروش أخر أميرات العراق – الحلقة 1 ج 3
الجزء الرابع
وريثة العروش أخر أميرات العراق – الحلقة 1 ج 4
27 كانون الثاني 2011
مهند الشيخلي … muhannad alsheikhly
قرأت وأطلعت ونقلت
وهذه مقتطفات من مذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة ( والتي تعتبر أهم وثيقة عربية في قرن العشرين.
[[[[ الانقلاب الدامي
[*] كانت العائلة العراقية المالكة قد قررت السفر إلى تركيا صبيحة يوم 9/7/1958 ومنها الى لندن لغرض تجهيز نفسها والاستعداد لزواج الملك فيصل الثاني وأيضا لقضاء العطلة الصيفية هناك حيث انهي الأولاد الأميرة بديعة عامهم الدراسي , اما نحن اعني عائلتي الصغيرة فقد استأجرنا شقة مستقلة في لندن لننزل فيها بعيداً عن ستانويل حيث سيقيم الملك ومن كان في معيته غير أن طارئاً تسبب في تأخير هذا البرنامج .
[*]لا ادري ماذا أقول ؟ وكيف اعبر عما بنفسي ؟ ومن احمله مسؤولية تأخيرنا في العراق حتى صباح 14 تموز المشئوم ؟
[*] كل ما اعرفه هو أن توفيق السويدي كان قد أشار على الملك بضرورة تأخير سفرته المزمعة تلك نحو أسبوع أو أكثر حتى يعود أخي عبد الإله إلى بغداد من سفرته إلى اسطنبول ولندن متذرعاً بأن هناك امرأ مهماً يتطلب وجود الملك في العراق.
[*] وهي أن غياب الرأسين الملك والوصي من الدولة في تلك الظروف كان من شأنه أن يخلق حالة من الفراغ السياسي يحتمل أن يشغله الملك حسين بن طلال كونه نائباً للملك في الاتحاد الهاشمي فيعمل على استمالة العسكريين العراقيين من خلال زيارات سيقوم بها لهم وهو مالا تحبذه الحكومة العراقية.
[*] لذا فان وجود احد الرأسين في بغداد سيقطع هذا الطريق على الملك حسين ولهذا طلب السويدي من الملك فيصل تأجيل سفرته لحين عودة الأمير عبدا لإله فكان هو السبب في ذلك التأخير.
[*] عاد أخي عبد الإله إلى العراق وقررنا السفر صبيحة يوم 14 تموز , كانت عادتنا أن نتعشى ليلياً على مائدة قصر الرحاب سوياً بعد مشاهدتنا لاحد الأفلام السينمائية في تلك الليلة المشئومة قال لي الملك إننا سننتظركم على العشاء , قلت له لا تنتظروننا لأننا سنكون مشغولين بحزم حقائبنا استعداداً للسفر صبيحة غد ثم ذهبت لوداع أخي الأمير عبد الإله لأنني توقعت في نفسي بأنه سيكون مشغولاً هو الآخر في اليوم التالي وسوف لا يكون باستطاعتي توديعه حيث مهام الدولة الرسمية واللقاءات بالمسئولين والوزراء وما إلى ذلك .
الوداع الأبدي
[*] جلب لي أخي معه هدية من سفرته الأخيرة تلك عبارة عن زوج من التراجي قرطي الأذن مرصعة بحجر بنفسجي فحضنته وضممته إلى صدري بحنان وشوق كأم تحامي عن وليدها الرضيع ورحت اقبله بما لم يعهد من قبل وهكذا بقيت أتأمله وأحدق في وجهه طويلا كي ترتسم قسماته وتعابيره في ذهني ومخيلتي وأتحسس جسده لأتأكد منه هو كذاك الذي ودعته قبيل سفرته الأخيرة لم يتغير أو يطرأ أي عارض عليه , وقفت صديقتنا مديحة الداغستاني إلى جانبنا تراقبنا وتتأمل في ذلك المشهد المعبر والملفت عن غير قصد باندهاش وحيرة فقالت لي ما هذا كأنك سوف لا ترينه غدا فاجتبتها نعم لا اعتقد إنني سأراه غداً.
[*] نظر إلي أخي الأمير نظرة ملؤها العطف والمحبة ثم رمقني بابتسامة دافئة وهادئة لم تستمر طويلاً حتى أشحت بوجهي عنه فملت إلى وداع أمي , كنا نناديها أنة باللغة التركية فرايتها ليست على ما يرام منزعجة ومهمومة كوادت نفسها أن تنقبض وكان جبلاً من الهموم والأحزان قد تراكم على صدرها تتأمل طويلاً وتستعبر , سألتها ما الخبر أنة قالت وصلتني بالبريد اليوم صورة لعبد الإله وقد لطخ مرسلها وجهه أوساخا .
[*] تصرف هؤلاء الحمقى جعلني أخمن حجم ما في نفوسهم من قذارات أرادوا إلقاءها على أخي , انتابتني حالة من الانفعال النفسي بدت وكأنها هستيريا مفتعلة وليست رد فعل تلقائي وإن كانت إلى الطبيعية أميل .
[*] في بعض المواقف المحرجة التي يحاول فيها الإنسان أن يهدئ من روع إنسان عزيز عليه يراه حزيناً فيبدد أو يقلل من شأن ما يخالجه , قد يتصنع ويسترسل في تصرف يبدو في نظر الآخرين ليس طبيعيا .
[*] وهذا ما حصل معي أمام والدتي فضحكت ضحكة مدوية وقلت لها لا تهتمي هؤلاء شيوعيون وأعداء مغرضون لا تزعلي كان الشيوعيون الجهة الأكثر عداًء ونشاطاً في معارضة الحكم الملكي حينذاك ولذا لم ينافسهم احد من حيث جهة الترشيح عندما ألقيت التهمة عليهم .
رسالة سرية
[*]بيد أن مديحة الداغستاني التي بقيت ساهرة مع أهلي في تلك الليلة روت لي فيما بعد بأنهم أثناء تناولهم طعام العشاء جاء احد الحراس برسالة لأخي وسلمها بيده فراها وهو على المائدة وإذا بوجهه يحمر بشدة فنهض ثم عاد مرة أخرى من دون ان يتفوه بكلمة ولهذا فان أحدا لا يعرف إلى اليوم ما هو مضمون تلك الرسالة ومن الذي أرسلها .
[*] في تلك الليلة جاء أخي الأمير بحاو هندي يقوم بألعاب سحرية وبهلوانية يمارس الخداع والتضليل بخفة وسرعة فائقتين فيموه على مشاهده ويجعله يرى أشياء أخرى ثم يرقص ويلعب الحيوانات بطريقة مضحكة ومفرحة وقد التف حوله أطفالي وبقية الأطفال يلهون ويضحكون .
[*] أراد أخي عبد الإله إدخال الفرح والسرور إلى نفوس أطفال قصر الرحاب كي لا يضجروا من حياتهم الرتيبة والمقيدة بعض الشيء مقارنة بحياة اقرأنهم الطليقين من الأطفال الآخرين .
[*]غادرنا أنا وزوجي وأطفالي الثلاث القصر لنبيت ليلتنا في بيتنا بالمنصور حزمنا حقائبنا وهيئنا احتياجاتنا ونهض زوجي الشريف حسين يسدل ستائر المنزل كي يخيم الظلام علينا واستسلمنا لنوم قلق على إيقاع صوت جهاز التكييف الذي اعتدنا تشغيله طوال ليالي صيف العراق القائض .
صبيحة اليوم الأسود
[*]استيقظت فجاء في صباح الاثنين 14 تموز يوليو 1958م الباكر على سماع دوي متقطع شبيه بأصوات أطلاقات تأتي من مكان ليس ببعيد عنا وبين لحظات خفوتها العابر تأملت برهة لأتأكد من حقيقتها ومصدرها وما أن عاد الرمي حتى أيقظت زوجي بفزع ملحوظ وسألته أتسمع ما هذا فأجابني إجابة الغافي النعسان باطمئنان ولا مبالاة.
[*] لا شي أظن انه صادق يطرق الباب جاء يوقظنا للفطور.
[*] لم اقتنع برد الشريف حسين كليا إذ بقي الشك يساورني ولذا ظللت متيقظة ولم تسلم عيناي للنوم طار النعاس من راسي وتحفز جسدي للوثوب والحركة وإذا بالضرب يزداد وأصوات الاطلاقات تتوالى وتتعالى .
[*] وثبت من مخدعي وسحبت ستائر غرفة نومي المطلة على الشارع الرئيس ورحت أتأمل وأتتبع عبر النوافذ مصادر الأصوات والنيران وإذا بها تأتينا من جهة قصر الرحاب كان باستطاعتي أن أرى القصر عن بعد من بيتي فلا يفصلنا عنه سوى نهر الخر وجسر الخر الذي عليه ولكنني لا أستطيع أن أتيقن مما يجري هناك .
[*] قمنا من الفراش ولم نعرف ماذا نعمل للوهلة الأولى تداولنا بالأمر أنا والشريف قليلا وطال صمتنا لأننا لم نكن ندري ماذا يجري هناك بالضبط لقد كان حوارنا مجرد تخمينات اتصلت بقصر الرحاب هاتفياً وإذا بالخط مشغول والرمي يتكاثف والأصوات ترتفع ومعهما يزداد قلقي وترتفع درجة الحرارة في جسمي.
[*] كانت الساعة المعلقة في صالة منزلي تشير إلى ما بين السادسة إلى الربع او السادسة صباحاً عاودت الاتصال هاتفياً بالقصر مرة أخرى واستطعت التحدث مع مسؤول البدالة فيه , فأوصلني بوالدتي أمسكت الملك نفيسة السماعة في يدها وما أن سمعت صوتي حتى تكسرت الحسرات في صدرها واختنقت بعبرتها وهدرت الآهات ولم تستطع إكمال حديثها معي كانت نامت ليلتها تلك مكدرة حزينة بما شاهدته من صورة مشوهة لأخي عبد الإله .
[*] لم افهم من هذا الاتصال ما كان يجري هناك بعد قليل اتصل الملك فيصل الثاني بي هاتفياً لان مسؤول البدالة اخبره بنيتي في التحدث إليه فسألته بارتباك وقلق ماذا يحصل عندكم أجابني هل تريدين حرساً قلت له لا لاشيء عندنا ولا احتاج الحرس وانتم ربما تحتاجون إليهم فرد علي فقال طيب افتحي المذياع إذن وستعرفين ما حصل .
رجولة ملك شاب
[*]لم يكن الملك الشاب خائفاً أو مرتبكاً إنما كان صلداً ومطمئناً يتحدث بثقة ورجولة كلمه زوجي الشريف حسين من دون أن يقول له أكثر مما قاله لي. [*] اغلقنا سماعة الهاتف ورحنا نتنقل في بيتنا مستطلعين الأمور بحيرة وتوجس من شرفة إلى أخرى ومن سطح لأخر ومن غرفة إلى ثانية كمن ينتظر مصيراً يجهله لا نبغي سوى أن نعرف ما يحصل في قصر الرحاب وما من احد يخبرنا والهواتف لا ترد .
[*] وبمرور الوقت أصبح الحصول على اتصال مع القصر مستحيلا في حين دبت حركة غير طبيعية في شوارع بغداد وتضاعف الرمي وتراكمت لدينا جهالتنا بالمصير المحتوم .
[*] في تلك اللحظات العصيبة طرق رئيس الديوان الملكي عبد الله بكر وحرمه الباب علينا جاء ليعرف منا ما يحصل في قصر الرحاب بعد أن ذهب إلى هناك ومنعه الإنقلابيون من الوصول أليه غير انه شاهد النيران بدأت تلتهم أروقة القصر وأعمدة الدخان ترتفع في كبد السماء .
[*]أعلمناه بمكالمة الملك معنا وما دار من حوار بيننا استدركنا بأنه لم يكن باستطاعتنا عبور الجسر للوقوف على ما يجري في الضفة المقابلة وأننا لم نرغب في فتح المذياع بعد لأن انقلاباً عسكرياً كما خمنا ربما وقع بالعراق ولذا ليس في ودنا أن نسمع عياط الانقلابيين وزعيقهم وما يستتبع ذلك من تحريض فج وظالم ضد أهلي .
[*] بعد مداولات سريعة اقترح وزجي الشريف حسين أن نترك بيتنا وتخرج على أمل أن نلتقي بأهلي حيث توقعت بأنهم هم الآخرين قد تركوا قصر الرحاب وأنهم يبحثون عنا الآن .
[*] غيرنا ملابس نومنا التي كنا ما زلنا فيها وارتدينا ما وقع بأيدينا وجلسنا في انتظار أن تنجلي الغبرة لنعلم ما حصل لم نرزم أو نحزم أية حقائب صبيحة الانقلاب لأنها كانت معدة ومهيأة منذ الليلة الفائتة سيما ونحن على وشك مغادرة المنزل والسفر في الساعة التاسعة صباحاً لم نفطر أو نشرب شاياً أو شيئاً بالرغم من شعورنا بعطش حاد .
[*] جلسنا برهة وأخرى ننتظر حيث هدأ الرمي لكن السنة اللهب والدخان ارتفعت في الأفق نراقبها من شرفة دارنا فجأة سمع زوجي احدهم يصرخ ويبكي ويلطم على رأسه ووجهه وينادي بصوت عال ومسموع قادم من الجهة الأخرى للشارع اخرجوا سوف يأتون إليكم .
لقد قتلوهم كلهم
[*]لم يكن المرافق ثامر خالد الحمدان خافراً بقصر الرحاب في ذلك اليوم المشئوم لكنه ما ان سمع خبر الانقلاب وهو في منزله حتى أسرع الى القصر بسيارته الخاصة ليستطلع الأمر وإذا بالانقلابيين يهجمون عليه ويحرقون سيارته أفلت منهم بأعجوبة وجاءنا مشياً وزحفاً على قدميه في حال يرثى له يرتدي سروالاً وقميصاً كأنهما استخدما في تنظيف مدخنة قديمة .
[*] ما الخبر يا ثامر أجاب يا ستي اخرجوا من الدار فوراً سوف يأتون لقتلكم قلت لماذا رد بصوت نحيب ونحيف لقد قتلوهم كلهم سقطت تلك الكلمات الخافتة على مسامعي سقوط القذائف على رأسي لم اعرف ما افعل لم تطاوعني قدماي على الحركة لقد انهار جسدي وتثاقل لساني ولم أتمالك أعصابي واعترتني مشاعر غريبة ما كان من شأنها إلا أن تمزق جدار الخوار والانهيار فجأة لتطلق العنان للساني وحنجرتي وعيوني ورحت أصيح وانتحب وألطم .
[*] هممنا بالخروج من الدار سألتني مربية أطفالي الإنكليزية ماذا حدث فلم أقدر على الجواب عن سؤالها وإذا بجرس الهاتف يرن الدكتور صالح البصام يخبر الشريف حسين بأن الوضع سيء للغاية ببغداد وانه سيأتي لينقلنا الى مكان امن كرر الاتصال ثانية ليعتذر عن عدم قدرته في الوصول ألينا بسبب الظروف فأرسل لنا الناني الألمانية .
[*] بعد قليل دخلت علينا المربية الألمانية كانت تعمل عند عبد اللطيف أغا جعفر حملت على متنها ولدي الصغير الشريف علي وأمسكت أنا بيد ابني الكبير الشريف محمد وحملت ابني الوسط الشريف عبد الله على صدري وخرجنا مكرهين مفزوعين من منزلنا.
[*]كان أطفالي بجواري يلوذون بي وألوذ بهم يؤدون , مشهداً مفجعاً في الحركة والتعبير يتفطر قلب من يشاهدهم بتلك الحال لقد ناموا ليلتهم تلك وهم على أمل ان يستيقظوا في الصباح الباكر فرحين مسرورين متأهبين لسفرة جميلة يعقبها عرس أجمل منها غير أنهم فتحوا عيونهم على أصوات القذائف والرصاص مرعوبين لا يدرون ما يدور حولهم .
اتركوا كل شيء خلفكم
[*] لم احمل معي أي شيء تركت كل شيء ورائي وخرجت بعباءتي السوداء من بيتي لا اعرف إلى اين ولم أتخيل بأن ذلك الخروج الاضطراري هو آخر عهدي بمنزلي ذلك الذي لم اهنأ فيه إلا لفترة وجيزة .
[*] ولذا لم ارمقه بنظرة وداع أخيرة ولم أتأمل ما فيه ولم أتحسس جدرانه وشبابيكه ولم أتأكد من إقفال أبوابه لقد تركته كمن يترك مكاناً مر من أمامه مروراً عابراً وهو لا يعني له شيئاً .
[*] لا ادري الله ربي هو الذي يدري ربما سيبقيني حتى أعود له يوماً لألقي عليه نظرة الوداع الأبدية أو ربما سأموت ويبقى هو وغيره من قصور أهلي حسرة في قلبي من يدري ؟
[*] أراد زوجي الشريف حسين أثناء خروجه إن يحمل معه رشاشاً فمنعته المربية الألمانية قائلة no gun لا سلاح تفضل وحدك جرجرونا من الدار بهمة لتثاقلنا وتباطؤنا واركبونا بالسيارة نقلونا إلى منزل من طابق واحد يعود لعبد اللطيف أغا جعفر كان نائباً في البرلمان ومتزوجاً من إحدى بنات عبد الهادي الجلبي وهو في زيارة إلى لندن يومها.
[*]ما أن وضعنا أقدامنا في المنزل حتى طرق علينا احد الجيران الباب ليخبرنا بأن جاره الآخر قد عرف بنا من خلال لوحات السيارة العائدة إلى البلاط الملكي وعليه فانه يتوجب علينا الخروج الآن قبل إن يفتضح امرنا فيأتوا لإلقاء القبض علينا.
[*] رفعنا لوحات البلاط وغادرنا بيت عبد اللطيف أغا جعفر لا نعرف إلى أين نتجه والى أين نذهب كنا نبحث عمن يأوينا فلم نجد , قاد زوجي الشريف حسين سيارته وانأ معه وأولادي الثلاثة ومربيتهم الإنكليزية والحاج سالم كاتب والدي الملك علي وصديقه منذ أيام الحجاز .
[*] اتجهنا صوب منطقة المنصور فرأينا ازدحاماً هناك غيرنا خط سيرنا ظللنا نلف وندور حول المكان نفسه من دون ان نستقر على قرار حتى قرر زوجي ان نواصل سيرنا نحو الأردن .
[*] ما أن وضعت السيارة دواليبها على أول الطريق حتى بدأ الشريف علي بالبكاء طالباً كوكا يبدو أن ولدي الصغير لا يريدنا ان نغادر العراق .
بغداد بين المغادرة والبقاء
[*]كانت الكوكا عنده تعني الحليب أو الماء سائل آخر يطلبه عندما يعطش أو يجوع وقد فتحت جهنم أبوابها من سماء بغداد في ذلك اليوم الساخن الغاضب من شهر تموز عام 1958م لم نحمل معنا ماء ولا زاداً ومن غير المعقول أن نقطع الصحراء إلى عمان من غير متاع لهذا استدرنا وعدنا من جديد إلى بغداد عاصمة الانقلاب حيث قتلوا أهلي وهم يتتبعون أي اثر بقي لهم فيها.
[*]ربما في عودتنا مخاطرة أكيدة على حياتي وحياة زوجي ولكن ما ذنب طفل ابن سنتين سيبقى يصرخ من شدة الجوع والعطش طوال الطريق وإذا بالحاج سالم يقترح علينا أن نذهب إلى بيت عبد القادر عبد العزيز رانية بمنطقة المنصور.
[*] كان مهندساً كهربائيا كرديا طيباً شريفاَ وكريماً يعزنا كثيرا وفي المقابل كنا نحن نحترمه وقد عمل في بيتنا الجديد بالمنصور وأكرمناه و ساعدناه .
[*] ذهبنا أليه فرحب بنا واستقبلنا واستضافنا بمنزله كان باستطاعته أن يتخلى عنا في تلك اللحظات العصيبة من تاريخ العراق الدامي بذريعة خشيته على نفسه من الحاكمين الجدد سيما وهو صاحب عائلة وكنا سنقدر له ظرفه وتمنعه فيما لو أبدى ذلك لكن غيرته منعته عن ذلك فكان نعم الحامي والمحامي عناً .
[*] أعطانا غرفة مبردة مستقلة تؤوينا وألق ستائرها علينا , ظل الرمي مستمراً إلى أن هدأ بتنا ليلتنا تلك فيها لكن عيني زوجي لم تغمضا إلى الصباح تأهباً وتحسباً لئن يهجم الأنقلابيون علينا في أي وقت .
[*] قضى رانية ليلته يتسمع أخبار الانقلاب وتطوراته وفي الصباح 15 تموز 1958م اقترح زوجي الشريف حسين إن نلجأ إلى سفارة المملكة العربية السعودية كأمن مكان لنا لأنه لم يكن باستطاعتنا اللجوء إلى أي مكان آخر فلا سفارة أردنية و الانقلابين دخلوا السفارة البريطانية ولا ندري ماذا حل بالسفارة الأمريكية ؟ , سمعنا فيما بعد بأن أحد الأميركيين العاملين في سفارتهم ببغداد من أصدقاء زوجي الشريف حسين قد ذهب إلى بيتنا لإنقاذنا لكنه كما يقول وجد الدار مغلقا .
شكراً عبد القادر رانية
[*]اقتنعنا باقتراح الشريف حسين ولم يكن أمامي أي خيار أخر واتفقنا على ان ينقلنا عبد القادر رانية من بيته بسيارته في وجبتين إلى سفارة المملكة العربية السعودية في منطقة الوزيرية على ما أتذكر ببغداد.
[*]خرجت في الوجبة الأولى مكرهة مع ولدي الشريفين محمد وعبد الله وتركت ولدي الصغير الشريف علي مع أبيه ومربيته حماية لهما ارتديت عباءتي ولم أتمكن من ارتداء حذائي حيث تورمت إحدى قدمي فجأة لأسباب مازلت اجهلها إلى اليوم كانت الشوارع التي مررنا بها من منطقة السكك إلى منطقة الوزيرية هادئة نسبياً لكن الانقلابيين ما يزالوا يبحثون عن نوري باشا .
[*] حينما اعتلينا أحد جسور نهر دجلة انتابتني هواجس غريبة واختلجت بين جوانحي مشاعر متناقضة إذ خطر ببالي إن أقذف بنفسي إلى النهر وانتحر لكني ترددت وتساءلت في داخلي من هذا الذي سيربي أطفالي من بعدي ما زال ولدي الشريف علي طفلاً صغيراً يحتاج إلى حناني وعطفي ومن الظلم له ان أيتمه صغيراً فعزفت عن هذا القرار المفاجئ وتعوذت بالرحمن من الشيطان الرجيم.
[*] وصلنا إلى السفارة وكانت قد أوصدت أبوابها وأوقف رانية سيارته بعيداً عنها ثم امسك بولدي وراحوا يسيرون أمامي تبعتهم ولم اقو على المسير مثلهم كان ولدي الكبير الشريف محمد ابن اقل من ثماني سنوات يبطئ من سيره متلفتاً إلي بين لحظة وأخرى ليتأكد من إنني اقتفي أثرهم لقد انتابته مشاعر محزنة فظن إني سأتركهم وسيأخذهم عبد القادر إلى مكان بعيد عني .
[*] ضغط رانية جرس السفارة فخرج البواب وامسك بالباب ثم بادرني إلى السؤال عن هويتي قلت له دعني ادخل إني أريد ان أرى السفير , هذا الطارق الغريب وما خاضه من حوار على باب السفارة أثار فضول حرم السفير السعودي وجعلها تتساءل في نفسها من هذه السيدة الزائرة في الصباح الثقيل ؟
[*] أطلت برأسها من الشباك في الطابق العلوي من مقر سكنها تراقبنا وتتمعن في مشهدنا كانت تلك المرأة طيبة ومثقفة تربت في مصر فنالت الشيء الكثير من الأدب والوقار .
[*] أحست بان شيئاً ما غير طبيعي يجري عند الباب لا ادري أن كانت قد أومأت للبواب بالسماح لنا بدخول السفارة أم لا غير أننا دخلنا من دون أي اعتراض في نهاية المطاف .
من أنتي يا سيدتي
[*]قادني بواب سفارة المملكة العربية السعودية ببغداد الى الصالة فجلست منكسرة منحنية على احد المقاعد ثم استقمت واعتدلت في جلستي رفعت رأسي واذا بي قبالة صورتين لم يخطر في بالي مطلقا بأنني سأجلس أمامهما يوما واحد للملك عبد العزيز آل سعود وأخرى لولده الملك سعود بن عبد العزيز.
[*]دخل الخادم وسألنني قاطعاً علي كل أفكاري وما راح يجنح به خيالي من تصورات من أنت يا سيدتي ؟
[*] طأطأت رأسي حرجاً كان من حقه أن يطرح علي هكذا سؤال فهو الآخر لم يخطر في باله أن تلجأ إلى سفارته سيدة هاشمية علوية شريفة هي البقية الباقية من العائلة العراقية المالكة لكنها منكوبة تطلب حماية ممن يعمل في خدمتهم ما وددت أن أجيبه على سؤاله لكني رفعت رأسي ورحت أحدق في وجهه ملياً تنهدت واستنشقت نفساً عميقاً ثم زفرت زفرة طويلة .
[*] لم أعرف كيف أرد خانتني التعابير استعصت علي الإجابات بعد هنيهة تمتمت بكلمات متقطعة وبتردد انأ انأ خالة الملك فيصل الثاني وأخت الأمير عبد الإله ارتبك الخادم ارتعدت فرائصه اضطربت معاني محياه وبانت تقاطيعه بوضوح حملق في وجهي بوجل برهة ثم فر ينادي على السفير .
[*]نزل إبراهيم السويل من الطابق العلوي لاهثاً احسبه لم يصدق بما سمعه من خادمه لكنه ما أن وقع بصره علي وحتى هدأ , احتار بأمري لم يدري ما يقول لم يتفوه بكلمة ولم يسألني أي سؤال لأنه كان يدرك حجم ما جرى ببغداد يوم أمس مأساة أخبرته متطوعة بأن وزجي الشريف حسين هو الذي أرسلني إلى هنا وأنا الآن في انتظاره حيث ذهب عبد القادر رانية ليأتيني به هزته كلماتي اغرورقت الدموع في عينيه وهو ينظر إلي بتأمل بلع ريقه ثم تركني وذهب إلى غرفته ربما ليتصل بحكومته أو لأمر آخر لا أدري .
[*] بقيت أدور في صالة السفارة وحدي لم أهتم بولدي الشريفين محمد وعبد الله ولم انظر لهما ربما كانا يلعبان أو يجلسان على الكراسي يبكيان أو يسكتان لا ادري ماذا كانا يفعلان .
[*] ليست الفترة التي تركني فيها راينة طويلة بحساب الزمن الحقيقي إلا أنها مرت علي كأيام مفزعه كادت خلالها أن تزهق روحي أخذتني الوساوس والتخيلات إلى ما هو ابعد مما كان يجري على ارض الواقع خشيت ان يقع مكروه لزوجي وطفلي أو حتى المربية أقوم اقعد اذهب واتي في الصالة أضع رأسي بين يدي برهة ثم أتطلع من الشباك إلى الشارع.
[*]فجأة لمحت وزجي الشريف حسين وفي يده ولدي الشريف علي افتعل طريقة في السير بترهل لا تدلل على اهتمامه بما يجري كأنه شخص غير معني بكل ما حدث ويحدث .
[*] كانت معه المربية الانكليزية وقد ألبسوها عباءة نسائية عراقية لتغطي ملامحها الأوروبية ومن الطريف أنها كانت قد اقترحت علينا إن نلجأ إلى سفارة بلدها فقلنا لها عن أي سفارة تتحدثين لم تكن ناني تدرك حقيقة ما حصل في العراق .
[*] حينما رأيتهم صرخت بصوت عال ضغطت على الجرس صحت على من بداخل السفارة افتحوا لهم الباب ها قد أتوا عندما دخلوا إلى الصالة واطمأننت إلى إننا كلنا سالمون خارت قواي انهارت أعصابي خوى جسدي فسقطت.
[*]غبت عن الوعي فترة تحت تأثير وقع الصدمة وضغط الأحداث وهول المصيبة التي حلت بنا لا شك في أن أمورا حصلت ولكني لا أتذكر منها شيئا .
[*] في هذه المرة حينما جاءني رانية بمن بقي معه من عائلتي الناجية وأوقفته مفارز الانقلابيين التي انتشرت في شوارع بغداد وسألوه أكثر من مرة من أين أنت قادم أجابهم دائما من الحلة .
[*] خلال لحظات استفسارهم كان يستمع إلى أحاديثهم وكلماتهم يرددون امسكوه وجده القوا القبض عليه وأخيرا سقط بأيدينا .
[*] بعد ان فرغوا من ذبح أهلي واصلوا بحثهم عن العديد من رجالات العهد الملكي ولم يهدا لهم بال إلا بعد ان عثروا على الباشا نوري السعيد .
المكوث في السفارة السعودية
[*] تكلم وزجي الشريف حسين مع السفير السعودي إبراهيم السويل فهيأ لنا غرفة في الطابق العلوي من السفارة جهزها بأربع أسرة نوم قريولات مفردة وفرش وأغطية مكثنا فيها نحو شهر من الزمان كنا ننام كلنا فيها زوجي وأطفالي ومربيتهم وانأ فيما اتخذ سالم مكان له في الطابق الأرضي ينام فيه كان التحق بنا متأخراً في نفس اليوم 15 تموز 1958م .
[*] ليست سفارات الأمس كسفارات اليوم فهي لم تكن سوى بيوت عادية لا تمتاز على غيرها بشيء فما في الغرفة سوى مكيف واحد لم يكن كافياً لتلطيف جو العراق في ذلك التموز اللاهب.
[*]حرص السفير السعودي وخاف علينا تحسباً من أن يتسرب خبر وجونا في سفارته إلى الانقلابيين عن طريق احد العراقيين العاملين عندهم فيأتي البعض ويهجم علينا وهو لا يستطيع حمايتنا أو الدفاع عنا لقد هاج الناس وتوتروا أحبوا أن ينتقموا من كل فرد ويدمروا كل شيء كي يسيطروا على البلد .
[*] خلال مكوثنا في السفارة لا شك في أن شريطاً من الذكريات عنها يمر أمامي الآن أول ما فعله الأنقلابيون أن جاؤوا بحارسين أوقفوهما عند الباب الرئيس بدعوى حمايتها والحيلولة دون تعرضها إلى اعتداء لم يكونوا يعملون بوجودنا في داخلها وإلا لاقتحموها وأخرجونا كما أخرجوا غيرنا من أماكن أخرى .
[*] في هذه الأثناء مروروا نوري باشا جثة يسحلونها من أمامنا مرددين شعارات لم احفظها ولكن ما علق في ذهني منها هتاف يقول تعال وشوف يا ناصر وكأنهم يؤكدون علاقة جمال عبد الناصر بكل ما جرى .
موقف سعودي لا ينسى
[*] واصل زوجي لقاءاته بالسفير السعودي وعملت بعد أيام بأن الملك سعود بن عبد العزيز قد جعلنا كلنا على عاتق سفيره ببغداد أمره ان يحفظ علينا بأي ثمن فنحن في ذمته وبرقبته وإن وقع لنا أي مكروه فسوف يتحمل هو مسؤولية ذلك. [*] موقف الملك سعود الإنساني والمشرف معنا هذا له قصة تعود إلى ما قبل انقلاب 1958م يوم زار العراق في حفل التتويج في مارس عام 1953م وأقام له الملك فيصل الثاني مأدبة كبرى حضرها زوجي الشريف حسين اذ كان يعرفه منذ أيام الحجاز له به علاقة وطيدة وبالرغم من أن لا احد يستطيع ان ينكر ما هو معروف من تاريخ متأزم بين العائلتين الأشراف وال سعود من عداوات وثارات ومعارك وما إلى ذلك إلا انه عندما تواجهت الوجه قال الملك سعود مخاطباً الملك فيصل الثاني وأخي الأمير عبد الإله وزوجي الشريف حسين.
[*]حينما تقع العيون على العيون ننسى ما بيننا من عداوات ونطوي صفحات مؤلمة من الماضي .
[*] تبودلت الزيارات بين ملكي البلدين وفي زيارة الملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله إلى المملكة العربية السعودية في الشهر الأخير كانون أول ديسمبر من عام 1957م , احتفى الملك سعود بن عبد العزيز بضيفيه احتفاء كبيراً وقد عبر عن وده وتقديره لهما حين امسك بالسيف وراح بنفسه يؤدي رقصة العرضة البدوية المعروفة أمامهما تكريماً لهما فما كان من الأمير إلا أن مال على ابن أخته الملك ليهمس في إذنه بضرورة أن يقوما ليقفا احتراماً لوقفة الملك سعود هذه والوقفة السعودية تكررت مرتين مرة في بغداد و أخرى في الرياض .
[*] تجنس الشريف حسين بالجنسية العراقية يوم تقدم لخطبتي نزولا عند رغبة أخي عبد الإله حيث كان الأمير يفضل تزويجنا بعراقيين أو ممن يحملون الجنسية العراقية ربما لاعتبارات سياسية أو لأسباب أخرى لا أستطيع البوح بها , بعد الانقلاب سافر زوجي من جنيف إلى الرياض لمقابلة الملك سعود وللتشكر منه على ما أبداه من اهتمام ورعاية لنا في سفارته ببغداد .
[*] في الوقت نفسه طلب منه منحه جوازاً سعودياً لأنه احد أبناء تلك الدولة وإذا بالملك سعود يتطوع لإبداء موقف مشرف آخر فيتعهد لزوجي بأنه على استعداد لتعويضه عن كل ما خسره كاملاً فشكره الشريف علي مشاعره الصادقة إزاءه وعرضه السخي ذلك .
[*] وبالرغم من أن إمكانات المملكة العربية السعودية عام 1958 م هي ليست كإمكاناتها اليوم إلا أنهم وقفوا ذلك الموقف المشرف معنا بينما لم يقف مثلهم وموقفهم آخرون من اقرب الناس إلينا .
شماتة ناصرية ولت
[*]حينما كان يجن علينا الليل وينام الأطفال نخرج أنا وزوجي إلى الشرفة لنتهامس بهمنا أو نتأمل في قدرنا نسمع قهقهات الضباط الثوار الأشاوس وأصواتهم العالية وهم يتسامرون على كؤوس الخمرة وموائد الرذيلة ومن يجرؤ على أن يعربد في تلك الأماسي غيرهم ؟
[*] يتحدثون عما جرى لنا وبنا وكأننا أعداؤهم يتشفون ويتلذذون برواية جريمتهم الشنعاء التي ارتكبوها بحقنا ثم يستمعون إلى ما تذيعه محطات الراديو سيما إذاعة صوت العرب من القاهرة من أخبار وموضوعات فيتندرون بتحليلاتهم الساذجة ويتطوعون لتقديم توقعات خائبة عن مستقبل العراق .
[*] كان بعض هؤلاء الضباط العراقيين يسكنون بالقرب من مقر السفارة السعودية فكنت افتح صدري وارفع راسي إلى السماء وأدعو ربي أن لا يريح هؤلاء في حياتهم وقد قتلوا أهلي وظلموهم .
[*] وفي إحدى الليالي الكئيبة من ذلك التموز الحزين ربما في الثالث والعشرين منه الذي تصادف فيه ذكرى انقلابه المشئوم لست متأكدة تنصت مرغمة إلى خطابه المقرف على جهاز المذياع الذي يفتحه الضباط بالحي فراح احرقه الله بنار جهنم ينبح شامتا مستبشراً شامتاً بقوله لقد ذهب عبد الإله ونوري السعيد.
[*] قضيت ليلتي تلك حتى الصباح أدعو على جمال عبد الناصر من كل قلبي وجوارحي وأقول الهي أريد منك أن تريني إياه مقتولاً أو ميتاً .
[*] وأقسمت برب العرش العظيم لو إنني سمعت بخبر نهايته حتى وإن كنت في وسط الزحام بلندن لسجدت على الأرض ثلاث مرات شكراً لله على عطفه وفضله.
[*] لقد كان عبد الناصر يطعن قلبي بخناجر كلماته المسمومة والحاقدة تلك ضد أخي وأهلي بينما دماؤهم لم تجف بعد يسألني ولدي الشريف علي بعد كل هذه السنين أماه هل رضيت بما حصل لكل هؤلاء إنهم بين ميت أو مقتول أو تابع ذليل؟
[*] انظر إليه تارة بابتسام وأخرى بتجهم ربما لأنني أريد أن أقاصصهم بين يدي جبار عنيد.
مغادرة العراق الجمهوري
[*] يبدو ان مساع دبلوماسية حثيثة قامت بها حكومة المملكة العربية السعودية مع حكومة الانقلاب من وراء الكواليس هدفت إلى تأمين إخراجنا من سفارتها وبالتالي من العراق بأمان إلى بلد آخر لمسنا ذلك الحرص من خلال الدور الذي لعبه إبراهيم السويل ببغداد .
[*] خشيت ان يتقرر تسفيرنا الى احد دولتين سورية أو مصر فيحجزنا عبد الناصر فيها لان هاتين الدولتين كانتا في وحدة وقتذاك ومذكور في جواز سفري الملكي بأني من مواليد دمشق عام 1920م ما سيبرر لعبد الناصر حجزه لنا كوني احدى رعايا دولة الوحدة ولهذا عندما سالتا السفير السعودي ما إذا كان بحوزتنا جوازات سفر أم لا اجبنا كلا.
[*]زودنا بجواز سفر عراقي جديد أدرجت فيه جميع أسمائنا باستثناء سالم رفضوا السماح له بالالتحاق بنا فبقى بالسفارة حتى غادرها إلى إيران , لاحقاً ذكرت فيها بأني من مواليد المدينة المنورة عام 1922م وهو ما يزال إلى اليوم يحمل تلك الولادة المزورة .
[*] خلال فترة مكوثنا في السفارة وبعد أن هدأت الأمور نسبياً طلبنا من ناني أن تلتحق بسفارتها البريطانية ببغداد لأنها إنكليزية وباستطاعتها أن تصل إلى بلدها بدلاً من أن ترهن مصيرها بمصيرنا المجهول .
[*] لم يسرق الضباط الإنقلابيون كل ما كان مجوداً في البيت وهذا أمر تنافى مع أخلاقهم وما فعلوه عند اقتحامهم بقية البيوت والقصور الملكية.
[*]غير أنهم صادروا كل ما وقعت عليه أعينهم وأيديهم من غرف عرسي الخاص ولهذا ظل عبد القادر رانية يواصل تردده علينا فكان يأتينا كل يوم بحقيبة أو أغراض من بيتنا خفية .
[*] في احد أيام شهر آب أغسطس 1958م اخبرنا السويل بأن حكومة الانقلابيين وافقت على السماح لنا بمغادرة العراق شرط أن نسافر إلى احد الدولتين سورية أو مصر وليس أمامنا أي خيار آخر .
خيار الرحيل اعني ان لا خيار
[*] اخترنا الرحيل إلى مصر إلى الدولة التي يحكمها ذلك الفرعون الذي طالما حرض على قتل أهلي وتشفى بمقتلهم أي قدر تعيس هذا وأي خيار لا مفر منه. [*] جهزنا حالنا واعددنا حقائبنا وفي صباح الثاني عشر من شهر آب أغسطس عام 1958م وقفت سيارة أجرة تاكسي عند باب السفارة السعودية لتنقلنا إلى المطار .
[*] غادرنا السفارة بعيون دامعة وقلوب مرتابة لا اعرف وصفاً دقيقاً لتلك المشاعر التي اعترتني تشكرنا من السفير وحرمه على حسن استقبالهم واهتمامهم بنا وانطلق السائق يقود سيارته بصمت مطبق نحو المطار.
[*]وصلنا المطار ودخلنا الصالة الرئيسة فيه جلسنا في انتظار ساعة الإقلاع وإذا بصورة ( …) زعيم الانقلاب عبد الكريم قاسم معلقة فوق راسي بدلا من صور أهلي .
[*] أي زمن ردي هذا فبدلاً من أن آتي بسيارة البلاط أتيت بسيارة أجرة وبدلاً من ان اشعر بالاطمئنان حينما كنت انظر إلى الآخرين اشعر اليوم بالفزع وانأ انظر إلى حرابهم وأسلحتهم موجه إلى صدري وبدلاً من صور كانت تمنحني الأمان علقت صور تنفث منها رائحة البارود والدم .
[*] رمقني احد شرطة المطار بنظرة معزية منكسرة كان من الحراس القدماء وله ذكريات ولقطات مع الملك ومسئولي الدولة تمنى أن يعبر عن مواساته لنا لكنه لم يستطع .
[*] لا ادري هل كان مقصوداً أم لا تواجد عبد السلام عارف معنا في المكار بتلك اللحظات ؟
[*] ماذا أراد هذا المجرم أن يقول لي ؟ , أليخبرني بأنه هو الذي امر بقتل أهلي؟ ام ليشعرني بأنه هو الذي وافق على ترحيلي إلى مصر عبد الناصر ؟ , تلك الدولة وذلك الحاكم الذي كثيراً ما كان عارف عبداً ذليلاً لهما .
[*] لم تكن حركة المطار في ذلك اليوم طبيعية فقد شهدنا ازدحاماً غير معهود فيه من قبل صعدنا إلى الطائرة المصرية بحضور السفير المصري ببغداد الذي ودعه لتوه عبد السلام وإذا بأحد ضباط الشرطة العراقيين يخبرنا بأنه مأمور بمرافقتنا في هذه الرحلة حتى وصولنا إلى مطار القاهرة .
[*] حينما حطت الطائرة على ارض النيل سلم الضابط المرافق على الشريف حسين وقال له بأن مهمته قد انتهت عند هذا الحد لقد أدى ذلك الضابط المهمة التي كلف بها بأمانه وإخلاص طاعة لضباط خونة غير الأمينين وغير المخلصين للأسف .
المشهد الأخير
[*] عندما كنا نطير في السابق من بغداد نحلق فوق قصر الرحاب لنلقي عليه نظراتنا كأخر ما يعلق في أذهاننا من مشاهد عن العراق نتذكرها ونحن في الخارج ولكنني في المرة الأخيرة يوم غادرت بغداد إلى يومنا ربما آخر نظرة في حياتي. [*] هيأت نفسي لمشاهدة أثار الدماء والحرائق والعبث تماسكت واستعددت لاستحضار ذكرياتنا الحلوة والمرة فقصر الرحاب يحكي قصة آمال والأم وأفراح وأحزان عائلة هاشمية حكمت العراق عقوداً من الزمن غير إن الطيار خيب ظني فغير اتجاها ومال على الجهة الأخرى لبغداد بعيداً عنه.
[*]لم ار قصر الرحاب بعد المذبحة ولهذا ظلت مشاهد المذبحة تدور في مخيلتي وهي لا تعدو عن كونها مجرد لقطات أو تصورات اركبها واقلبها كيفما شئت غير أنها مشاهد مليئة بالحسرات والآهات لقد بخلوا علي حتى في مشاهدة قصر محترق.
[*]تحول قصر الرحاب فيما بعد إلى سجن رهيب ومقر للاعتقالات والتحقيقات ويعذبون فيه الناس ويعلقونهم في سقوفه ويقتلونهم على جدرانه وبين أروقته ويذوبونهم في أحواض التيزاب الأسيد لقد أطلقوا عليه اسم قصر النهاية .
[*] لا شك في أنها تسمية موفقة فالداخل إليه في عهدهم لا يخرج منه وهم إن لم يقصدوا ذلك من تسميتهم إياه فهو قصر شهد نهاية إحدى اشرف وأكرم العوائل التي حكمت العراق ومن يومها لم يشهد العراقيون سوى القهر والإذلال والإبادة يا للفجيعة. ]]]]
مذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة ابنة علي حفيدة ملك العرب
[[[ فتقول الأميرة بديعة : " حينما أقلعت بنا الطائرة ؛ أنا وزوجي وأولادي الثلاثة ، من بغداد في الثاني من أغسطس عام 1958م ، حسبت بأن الطيار سيحلق فوق " قصر الرحاب " ـ مثل كل مرة ـ ليمكنني من إلقاء نظرة عليه ، وهي ستكون نظرة الوداع في هذه المرة ، لأشاهد ما عبث الانقلابين فيه ، لعلي ألمح أحداً من أهلي ، ربما نسوا أن يقضوا عليه فانزوى مختبئاً هنا أو هناك ! . غير أن الطيار خيب ظني للأسف ، كأنه رأف بحالي ، وهو يعلم بأن الراكبة معه ، هي الأميرة الوحيدة الناجية من مذبحة العائلة العراقية المالكة في قصر الرحاب ، فلم يشأ أن يفزعني ، أو يحرق قلبي ، حتى لمجرد مشاهدة أطلال قصر ، أو بقايا عائلة حكمت العراق لسبعة وثلاثين عاماً ، أو كأنه أراد " مأموراً " أن يجعل من تلك الأمنية غصة في صدري ، وجرحاً غائراً لن يندمل ، يبقى يؤرقني ما حييت ، لهذا استدار مائلاً على الجهة الأخرى ، وطار ، ليتركني أسيرة دموعي وأشجاني ، أتأمل بغداد الجميلة وأهلها الطيبين ، وأرق لحالهما من قسوة حكامها الجدد " .
وتقول الأميرة بديعة تصف لنا جانباً من شخصيتها : أنا سيدة وأميرة عربية هاشمية علوية ولدت وتربت ، نشأت وترعرعت في بيوت ، أو سموها " قصور " محافظة لأشراف العرب . لم يكن من شأنها أن تسأل عن كل شيء ، و من هواياتها حب الإطلاع والفضول ، ولعل الأمر الذي بقيت نادمة عليه منذ عام 1958م وإلى الآن ، هو أنها لم تسأل أهلها عن أشياء ، ودَّت اليوم أن تعرفها ! .
وتبدأ الأميرة سرد القصة منذ البداية حيث قام جدها الشريف حسين ثورته عام 1916 من مكة المكرمة ضد الدولة العثمانية ، يعاونه أنجاله الأمراء (الملوك) علي ، وعبد الله ، وفيصل الأول ، والأمير زيد ، لتحقيق تطلعات العرب وطموحاتهم ، وحكموا أربع دول ، من دولهم الناشئة في الشرق يوم ذاك : سورية والحجاز والأردن والعراق . وفي عام 1924 حاصر الأخوان حسن وحسين ولدا الشريف علي باشا بن عبد الله ، مدينة الطائف ، وثم وقعت فيها مذبحة مروعة ، لذا خاف الناس في مكة المكرمة ، فغادروها إلى " جدة " على ظهور الجمال والبغال والحمير ، ثم تنازل جدها ( ملك العرب ) الشريف الحسين بن علي عن عرش الحجاز لنجله الأكبر ( والد الأميرة بديعة ) الملك علي بن الشريف الحسين بن علي ، دفعاً للضرر الذي لحق بمملكته ، جراء مواقفه المتصلبة من الإنجليز ونكثهم لوعودهم معه ، إلا أنهم أيضاً منعوا عن الملك علي السح والتموين ، وحاصروا جدة حصاراً مقيتاً فاضطر الملك علي إلى التنازل آخر عام 1925 للأخوين خشية من أن يموت أهل جدة جوعاً .
ثم تسترسل الأميرة في قصة خروج الأشراف من الحجاز فتقول : خرجوا على دفعتين ، الأولى : مع جدي ، على ظهر يخته "بالرقمتين" إلى ميناء العقبة ومنه إلى قبرص . الثانية : تلك التي كنا نحن فيها ، حيث أخرجنا والدي إلى جدة ومنها ركبنا البحر إلى العقبة . لم تحمل أمي معها إلا صندوقين فيهما من الصور التي ملأت عليّ حياتي ، وعرفتني بآبائي وأجدادي ، وبعض الوثائق التي تؤرخ لنا حياتنا وتراثنا ، وشيئاً من " تحويشة العمر " . لا أتذكر شيئاً من جدة سوى بحرها الأحمر ، حيث مكة لا ماء ولا شجر ، وكانت مربيتي تأخذني إلى الشاطئ للنزهة ، ونبحث عن الأصداف وأنظر إلى البحر بتأمل طفلة ذات أربع سنوات ، لا هم لها سوى أن تعبث بذرات رمله الذهبية .
سمعت فجأة بأننا سنغادر الميناء في باخرة بدت لي كبيرة ، ولعلها لم تكن كذلك ، ركبنا زورقاً صغيراً أقلنا إليها ، حيث تلوح لنا في عرض البحر ، لأنه ما من رصيف ترسوا عليه الباخرة " رضوى " . غادرت النساء والأطفال جدة بينهن عماتي وعمات والدي وكبيرات الأشراف ، وبقى الرجال في مكة المكرمة ، بينما التحق بنا أخي الأمير عبد الإله ، لأنه كان صغيراً لا يقوى على القتال . وفي يناير عام 1926 غادر أبي مملكته الحجاز من جدة ليحل ضيفاً على عمي الملك فيصل الأول في بغداد .
وتصف الأميرة منزل والدها في بغداد ، وأيام طفولتها هناك ، فتقول : اقتصر منزل أبي على صالة كبيرة للجلوس واستقبال الضيوف والزوار ، يجلس فيها كل يوم ، صم غرفة مخصصة لطبيب أبي المصري الدكتور محمد الحسيني ، حيث رافق أبي من الحجاز ، وبقى معه في العراق حتى وفاته ، إلى أن غادر إلى عمان وعاش هناك ، مع غرفة أخرى لأخي عبد الإله يستقبل فيها أصدقاءه وزواره ، وقد آثر خادمنا " وارد " أن ينام في غرفة مستقلة له ، وليس في منزل العبيد والخدم المجاور . ذهبنا في البداية إلى مدرسة للأطفال في " باب الشرقي " ثم انتقلنا إلى مدرسة الست " أمت السعيد " ولكننا لم نكن تعودنا على الدوام الرسمي والمواظبة على الدراسة ، من نهوض في الصباح الباكر ، وذهاب إلى المدرسة ثم العودة إلى البيت ظهراً ، هذا الروتين المجهد تسبب في أمراضنا نحن البنات ، وتعرضنا لوعكات صحية ، أرقدتنا في البيت بالتناوب ، لذا قررت والدتي عدم إرسالنا إلى المدرسة ، واقترحت علينا الدراسة في البيت ، ولم يكن ذلك تدليلاً بقدر ما هو مراعاة من أم تنظر إلى أطفالها بدأوا يمرضون ويذبلون .
أما أخي عبد الإله فذهب في البداية إلى القدس الشريف للدراسة ، لكنه لم يأتلف فيها ، فغادر إلى مصر ليلتحق بـ " فيكتوريا كولدج " في الإسكندرية .
الكثير من الأخبار والإشاعات كانت تصل إلى بيوتنا ، ربما قبل أن تصل إلى بيوت الآخرين أحياناً ، أتذكر وأنا طفلة ابنة سبع سنين دخلت على أهلي " أهوّس " بهذه المقطوعة : " تِمَّن (زر) على تمن .. فيصل ما يتثمن تمن (زر) على تمن .. فيصل ما يتأمن "
وفيصل هو عمي الملك فيصل الأول ، أصبح في بيته وبيت أخيه ( والدي ) بأنه لا يؤمن على حكم العراق ، فهل كان عمي يا ترى ، في حاجة إلى أن يسمع ما يردده عنه بعض المغرضين ، أو الحاقدين من المناوئين لحكمه ، من آخرين ؟ ها هي ابنة أخيه الصغيرة تطوعت لإيصال الخبر إليه ، قبل أن يشيع في أوساط العراقيين .
وتواصل الأميرة بديعة سرد مذكراتها عن بغداد قائلة : ربما كان أحد أجمل مناظر بغداد النهرية ، التي لا تفارق مخيلتي ، هو حينما نجلس في الشرفة الخلفية لبيتنا المطل على النهر ، عصر أيام الخميس من كل أسبوع في أشهر الصيف ، ننظر إلى الزوارق النقالة للعوائل والشباب ، تجوب دجلة طولاً وعرضاً ، رواحاً ومجيئاً ، يغنون ويرقصون ويصفقون ويضربون الدفوف والطبول ، يزغردون ويرددون أغاني سليمة باشا ، لقبت بـ " الباشا " لقوة شخصيتها ونفاذها ، وهي " سليمة مراد " مطربة عراقية مشهورة ، زوجة المطرب العراقي المشهور ناظم الغزالي . كان الخميس يوم المتعة والمرح في بغداد ، لكن والدي يمنعنا من الخروج فيه ، على أن يسمح لنا في المقابل بالتنزه أيام منتصف الأسبوع .
وتذكر صديقاتها من مختلف الجنسيات فتقول : صديقات الطفولة حجازيات وشاميات وعراقيات ، معظمهن صديقات الصبا والشباب والكهولة ، وحتى الشيخوخة ، كنت ألعب مع سعاد ابنة ارشد العمري ، وبوران ابنة صفوت أفندي العوا ، وماجدة ولمعان ابنتي داوود الحيدري ، بيد أن علاقتنا مع هذه الأسرة الأخيرة ، ظلت متذبذبة بين مد وجزر . أحببت عقيلة صادق الحصري ، تلك السيدة التركية الوقور التي لا تجيد العربية ، بينما كريمته سلوى صديقتي وفي سني ، ومثلها سلوى كريمة علي جودت الأيوبي ( عقيلة عدنان مزاحم الباججي ) وابنتي جميل المدفعي ، سعاد حرم الدكتور نجيب اليعقوبي ، وسلمى زوجة أركان عبادي .
كما تأسست عندنا علاقات طيبة ، مع مسيحيي العراق ويهوده وغيرهم من الأقليات ، وفي الوقت الذي اكتشفنا فيه ، بأن بعض العوائل المسيحية ، قد جرت أنفسها عنا بعد 1958 للأسف ـ سيما في الثمانينيات حيث أخذوا يصدرون السلاح إلى صدام من أوروبا وأمريكا ـ وجدنا يهود العراق أكثر إخلاصاً . بيوت فتال ، إبراهيم الكبير ، ليونيه ، الساعاتي وغيرها من يهود العراق ، شغل بعض أبنائها مناصب رفيعة في المملكة العراقية ، وما زالوا يتحدثون باللهجة البغدادية في بيوتهم بلندن ، وهم على اتصال بي ، حتى أن مارسيل جودة ابنة روبين سوميخ نائب يهودي في البرلمان الملكي آنذاك ، احتفت بي قبل فترة ، وأقامت لي مأدبة غداء ، دعت إليها الكثير من اليهوديات العراقيات ، وجلسنا نستعرض الحاضر ونقارنه بأيام زمان .
وعودة إلى تلك الأيام ، فبعد أن كبرت البنات ، وتفرقن بين من تزوجت ، أو من انشغل بالدراسة ، ولهذا خفت علاقاتنا بعدد منهن في الخمسينيات ، ولم تبق غير مديحة وهاجر الداغستاني ، اللتين كانتا لآخر ليلة يتناولن طعام العشاء ، مع أهلي على مائدة قصر الرحاب ، قبيل مذبحهم في صباح اليوم التالي .
أما الجواري فبعد حديث طويل عنهن تقول : عند خروجنا من الحجاز اصطحبنا معنا معظم جوارينا وعبداتنا ، وكن كلهن معتوقات ، وباستطاعتهن أن يتركننا ، لكنهن أبين إلا مرافقتنا وربط مصيرهن بمصيرنا ، لذا بقين معنا يسهرن على راحتنا ويتفانين في خدمتنا فيتقاضين أجورهن ورواتبهن ، وقد زوج أبي ( ملك الحجاز ) على بن الحسين منهن في بيتنا ببغداد ، ستاً من الجواري والعبدات السود . تزوج عمي ( ملك الأردن ) عبد الله بن الحسين من إحدى جواريه ، فأولدها ابن عمي الأمير نايف . كثيرون من أجدادنا تزوجوا جواري ، فالشريف محمد بن عون اقترن بعدد من جواريه ، وكان يملك سراري أيضاً ، وهن شركسيات ، وقد تزوج حبشيات أيضاً ، يميل لونهن إلى الصفرة الجميلة .
ثم تنتقل بنا الأميرة لتحكي لنا عن زواجها فتقول : في طريقنا إلى مصر عام 1943 ، مررنا بفلسطين واشترينا من القدس بعض الملابس والأحذية ومنها سافرنا إلى مصر ، وفي القاهرة دعانا الشريف عبد الله باشا " زوج عمتي صالحة " إلى حفل عشاء أقامه على شرفنا ، ودعا الشريف حسين وأخاه الشريف حسن ابني عمه، وكانت العادة السائدة في مصر أن تغني في الحفل مغنيات وترقص الراقصات ، وهناك رأيته لأول مرة ، حضر الحفل أيضاً بعض أقاربنا الأشراف ، منهم الشريف علي حفيد الشريف عون ، الذي سبق له أن تقدم على أخي الأمير عبد الإله طالباً يدي منه ، ولكني لم أوافق عليه ، لأنه كان يكبرني بعدة سنوات . ضحكت وتكلمت مع الشريف حسن " متزوج ولديه أطفال " أخ الشريف حسين ، ويبدو أنني كنت أثير اهتمام حسين من دون أن أشعر .
وفي عام 1948 وقعت الحرب بيننا وبين إسرائيل ، فتطوع الشريف حسين للقتال في الجبهة ، حاول عمي الملك عبد الله منعه ، لكنه أصر على رغبته وقاد سرية بدو استطاع بها أن يفك الطوق عن إحدى القلاع المحاصرة ، أما أنا فقد تطوعت في الهلال الأحمر كممرضة ، أعالج الجرحى العراقيين الذين يصابون خلال المعارك ، طوعت معي عراقيات أخريات ، بالإضافة إلى الدكتور نجيب اليعقوبي . وفي الأردن تعطلت بنا السيارة بين إربد وعمان ، ومر الشريف حسين في سيارة فارهة " لنكولن " نقلنا بها إلى عمان . وبعد هذه الرحلة عاود الشريف حسين طلب يدي من أخي الذي اشترط عليه أن يقيم ستة أشهر بالعراق وستة مثلها بمصر " مناصفة " ، لأن كانت إقامته الدائمة بمصر ، وفي شهر فبراير عام 1950 احتفلنا بزواجنا في بغداد . وتختم الأميرة هذا الجزء من مذكراتها بأنها لن تنسي أخلاق الثوار الذين يطالبون بالحرية والحق والعدل وهم يخرجونها من قصرها بقميص النوم ، ولم يتركوها حتى ترتدي ملابسها.
الكتاب : مذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة ابنة علي حفيدة ملك العرب
المؤلف : فائق الشيخ علي
الناشر: دار الحكمة للنشر لندن
تاريخ النشر : الطبعة الثالثة 2008 ]]]
الجزء الثالث من مذكرات الأميرة بديعة ابنة ملك العراق عليّ بن الحسين
[[[ تُحدثنا عن الظلم الذي أصاب والدها طوال السنوات السابقة ، فتقول : " لا أحسب أن ملكاً ظلمه التاريخ والعرب والدول ، كما ظُلم أبي ، ربما لأن ظالميه تذرعوا بقصر عمر ملوكيته ، وانشغاله بالحرب وعدم استقراره ، ما من شأنه أن اختزل من إجازاته المؤملة للعرب والمسلمين ، ولكن هذا لا يبرر لهم تجاهلهم إياه ، ونسيان أدواره الأخرى ، سيما دوره الرئيس في الثورة العربية الكبرى عام 1916م وقتاله الأتراك ، ومواقفه المشرفة من العرب ، هذا من جهة ، وخيانة الإنجليز له ، والمعاناة الرهيبة التي تعرض لها على أيديهم ، من جهة أخرى " .
وترى الأميرة أن مرور 66 عاماً على وفاته كافية لكشف الأسرار التي تتعلق بفترة حكمه ، والكشف عن الوثائق السرية ، كما أنها تنفي أنها ستستطيع أن توفيه وأعمامها الملوك وسائر الأمراء حقهم ، في سرد حوادث التاريخ ،ووقائعه ، فهي ترى أن هذه ليست مهمتها بقدر ما ترى أن تذكر الناس ببعض سجايا أهلها وأخلاقهم ، وخفايا علاقاتهم وسلوكياتهم الشخصية والعائلية ، ترويها للأجيال والتاريخ ، فتقول : " لقد قضى أبي بقية عمره مديناً للآخرين ، لم يتمكن من أن يوفر درهماً واحداً ، وكم من مرة رهن مجوهرات أمي ومقتنياتها وذهبها لدى الممولين ، مقابل أموال لم تدخل جيبه ولا بيته ، إنما صرفها على الناس والمعوزين ، وكم من مرة تأخر في تحرير الرهان ، لأنه لم يستطع توفير المال اللازم لفكه ، وأجزم لو لم تكن أمي غنية أصلاً من جهة والدها عبد الإله باشا ، لعشنا حياة متعبة جداً ، في ظل والدي بالعراق .
وتكشف سراً هنا ، فتقول إننا نحن بنات الملك علي ، كنا نلبس أجمل وأبهى وأغلى ، مما تلبسه بنات عمي الملك فيصل الأول ، وأبوهن ملك العراق ! وأتذكر حينما كنا نزورهم يوم العيد بملابس العيد الأنيقة ، تتفاجأ زوجة عمي الملكة حزيمة وبناتها بمظهرنا .
قضى أبي العقد الأخير من عمره في بغداد ( 1926م ـ 1935م ) حزيناً متألماً ، يقاسي مما كابده من محن وخيانات ؛ تعرض لها خلال حياته السياسية ، ومن مرارة العيش وصعوبته في بلد يحكمه أخوه ؛ الملك فيصل ، وكانت زيارات عمي المتكررة تخفف عنه الهموم ، حيث كانا يتناجيان وحدهما ، ولم تقتصر شكوى أبي لعمي ، كان يحدثه عن الحرب في الحجاز وأسبابها وخيانة الإنجليز له ، وفرضهم الحصار على جدة ثم تنازله عن العرش ، يحدثه عن الثورة العربية الكبرى ، تلك التي لم نلحق أن نفرح بها ، أو نجني ثمارها .
وتستطرد الأميرة في سرد تلك الأحداث فتقول : في الوقت الذي كان أبي يشيد فيه ، ببعض أدوار الأشراف المشرفة في الحرب ، كالشريف علي ناصر الذي قاتل بالشام مثلاً ، أستذكر أنا بعده الأدوار المشينة التي لعبها ابنه سيف الذي ساند الشريف شرف في موقفه ضد أخي الأمير عبد الإله .
مات أبي بمرض أخيه الملك فيصل ، تصلب الشرايين ، ليدفن إلى جانبه وجانب جدته بزميجيهان ، كثالث الأشراف وثاني الملوك العلويين ، بالمقبرة الملكية في الأعظمية ، ببلد أجداده الأئمة علي بن أبي طالب ، والحسين ، وعلى الضفة المقابلة مباشرة لموسى الكاظم ومحمد الجواد ( على أجمعهم السلام) .
وتحكي عن بعض الأسرار المسجلة على اسطوانات ولكنها مفقودة ، وتحوي أموراً مهمة وصفتها بأنها لا تقدر بثمن ، وفقدت تلك الاسطوانات في بيروت ، سرقت خلال الحرب الأهلية اللبنانية ، وفي إحدى هذه الاسطوانات ، التي أرسلها أخي الأمير عبد الإله مرة ، من بغداد إلى أمي في لندن ، سجل فيها يقول : " إن عمي الملك عبد الله ، يريد أن يأتي بي كولي لعهد الأردن ، لأنه يقول ما من أحد من أولادي ، يستحق أن ينال الحكم من بعدي ، غير ابن أخي الأمير عبد الإله .. لم يقبل أخي بعرض عمي ، لكنه أراد إطلاع والدته على ذلك فقط ، فردت أمي تقول له : " كلا يا عبد الإله ، إياك أن تقبل ، هذا حق أولاد عمك وليس حقك ، فلا تعمل عداوة معهم " ، فأجابها : " هيهات .. إنني لا أريد ذلك ، ولكنني أنقل إليك ما قاله عمي فقط . "
بقيت هذه الاسطوانة كوثيقة تاريخية في بغداد ، ولكنني لا أعلم أين حل بها الدهر ، بعد " الفرهود " الهمجي ، الذي تعرض له قصر الرحاب في 14 تموز 1958م ؟ .
وتصف الأميرة بديعة صباح الثورة بصبيحة اليوم الأسود ، حيث تقول : " استيقظت فجأة في صباح يوم الاثنين 14 يوليو 1958م على سماع دوي متقطع ، شبيه بأصوات أطلاقات ، تأتي من مكان ليس ببعيد عنا .. وثبت من مخدعي ورحت أتأمل وأتتبع عبر النوافذ مصادر الأصوات والنيران وإذا بها تأتينا من جهة قصر الرحاب .. لم يكن الملك الشاب خائفاً أو مرتبكاً ، إنما كان صلداً ومطمئناً ، يتحدث بثقة ورجولة .
دبت حركة غير طبيعية في شوارع بغداد ، وتضاعف الرمي ، وتراكمت لدينا جهالتنا بالمصير المحتوم . وفجأة سمع زوجي أحدهم يصرخ ويبكي ، ويلطم على رأسه ووجهه ، وينادي بصوت عالٍ ومسموع قادم من الجهة الأخرى للشارع : " اخرجوا سوف يأتون إليكم " . قلت : لماذا ؟! رد بصوت نحيب ونحيف : " لقد قتلوهم كلهم " .
لم أحمل معي أي شيء ، تركت كل شيء ورائي ، وخرجت بعباءتي السوداء من بيتي ، لا أعرف إلى أين ، ولم أتخيل بأن ذلك الخروج الاضطراري هو آخر عهدي بمنزلي ، ذلك الذي لم أهنأ فيه ، إلا لفترة وجيزة .
وتعود الأميرة بذاكرتها بعيداً ، قائلة : " في إحدى الليالي الكئيبة من ذلك التموز الحزين ، ربما في الثالث والعشرين منه ، الذي تصادف فيه ذكرى انقلابه المشئوم .. لست متأكدة تنصَّت مرغمة إلى خطابه المقرف ، عبر جهاز المذياع الذي يفتحه الضباط بالحي ، فراح " أحرقه الله بنار جهنم " ينبح شاتماً مستبشراً شامتاً بقوله : " لقد ذهب عبد الإله ونوري السعيد " ! . قضيت ليلتي تلك حتى الصباح ، أدعو على جمال عبد الناصر من كل قلبي وجوارحي ، وأقول : " إلهي، أريد منك أن تريني إياه مقتولاً أو ميتاً " ، وأقسمت برب العرش العظيم ، لو أنني سمعت بخبر نهايته حتى وإن كنت في وسط الزحام بلندن ، لسجدت على الأرض ثلاث مرات ، شكراً لله على عطفه وفضله .
لقد كان عبد الناصر يطعن قلبي بخناجر كلماته المسمومة والحاقدة تلك ، ضد أخي وأهلي ، بينما دماؤهم لم تجف بعد ، يسألني ولدي الشريف علي بعد كل هذه السنين : " أماه ، هل رضيت بما حصل لكل هؤلاء ؟ إنهم بين ميت أو مقتول أو تابع ذليل ؟ " أنظر إليه تارة بابتسام وأخرى بتجهم ، ربما لأنني أريد أن أقاصصهم بين يدي جبار عتيد .
اختارنا الرحيل إلى مصر .. إلى الدولة التي يحكمها ذلك الفرعون ، الذي طالما حرض على قتل أهلي وتشفى بمقتلهم ، أي قدر تعيس هذا ، وأي خيار لا مفر منه ؟!
لم أرَ قصر الرحاب بعد المذبحة ، ولهذا ظلت مشاهد المذبحة تدور في مخيلتي ، وهي لا تعدو عن كونها مجرد لقطات ، أو تصورات أركبها وأقلبها كيفما شئت .. غير أنها مشاهد مليئة بالحسرات والآهات .. لقد بخلوا عليّ حتى في مشاهدة قصر محترق !
وتصف لنا الأميرة بقلب جريح مشهد القتل فتقول : " كنت في القصر ، فشاهدت الملكة نفيسة أول من تخرج من بوابته الأمامية ، يمشي خلفها الآخرون ، وإذا بالكلب عبد الستار العبوسي ، ينهال بالشتم على الأمير عبد الإله ، فرد عليه مرافقه ثابت يونس ؛ وكان طبيباً من أهالي الموصل : ألا تستحي ، ألا تخجل ، ما هذا الكلام ؟ فما كان من العبوسي إلا أن أطلق عليه النار ، وأرداه صريعاً ، صاح الأمير عبد الإله : لا ، لا ، لا . فلم ينصع له ، وإذا به يطلق عليهم كلهم النار ، قرب إحدى الأشجار في حديقة القصر الأمامية ، ليرديهم قتلى " !
وهم كل من : أمي الملكة نفيسة ابنة عبد الإله باشا ، أخي الأمير عبد الإله بن الملك علي ، أختي الأميرة عبدية بنت الملك علي ، ابن أختي الملك فيصل الثاني بن الملك غازي ، هؤلاء هم من العائلة العراقية المالكة المقتولين . أما المقتولون الآخرون ، فهم كل من : ربيب أختي عبدية من الخدم اسمه عبد الرزاق ، وهندي ـ لا أتذكر اسمه ـ جاء يحتمي بأهلي فقتل معهم ، ومرافق أخي الأمير عبد الإله ثابت يونس ، وآخرون .
أما الناجون من المذبحة وهم كل من : الأميرة بديعة ابنة الملك علي وأولادها الأشراف الثلاثة ( محمد وعبد الله وعلي ( وزوجها الشريف حسين بن علي ، لأنهم كانوا يوم الانقلاب في بيتهم بالمنصور ، عمتي صالحة ابنة ملك العرب الشريف الحسين بن علي ، لأنها كانت من إسطنبول ، ابنة عمي الأميرة راجحة بنت الملك فيصل الأول ؛ عمة الملك فيصل الثاني ، وابنتيها الاثنتين حزيمة ونفيسة ، وزوجها الطيار عبد الجبار محمود ، لأنهم كانوا يصطافون في لندن ، هؤلاء هم من العائلة العراقية المالكة الناجين ، باستثناء الناجي الأخير .
أما الناجون الآخرون ، فهم كل من : زوجة أخي الأمير عبد الإله؛ هيام الحبيب ، أصيبت في ساقها ، وربيبة الأميرة عبدية ؛ أصيبت في ساقها أيضاً ، الخادم حسن المصري ، كان متجنساً بالجنسية العراقية ، لكنه خرج يصيح : أنا مصري ، أنا مصري ( وللناصرية مكانها في ذلك الوقت ) ، وآخرون .
وأخيراً نختتم تلك المذكرات المليئة بالشجن والحزن بكلمات قليلة للأميرة بديعة حيث تقول : إنني امرأة ، أيتمني عبد الكريم قاسم ، وعبد السلام عارف ، وجمال عبد الناصر ، وأبقوني وحيدة ، من دون أم أو أخ أو أخت أو ابن أخت .. هم الذين قتلوا أهلي ، ولم يكتفوا بذلك ، إنما شمتوا بي وسخروا مني ، وأسمعوني كلاماً لو أُسمع للحجر لتفجر وتفتت .
إعداد : سعاد سليمان
الكتاب : مذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة ابنة علي حفيدة ملك العرب
المؤلف : فائق الشيخ علي
الناشر: دار الحكمة للنشر لندن
تاريخ النشر : الطبعة الثالثة 2008 ]]]
نقد وتقييم للمذكرات
[[[ قصة العائلة المالكة في العراق على لسان الأميرة بديعة شقيقة الأمير عبد الإله تتحدث عما كان يجري داخل القصر الملكي
تنطوي مذكرات الأميرة بديعة على أكثر من أهمية تاريخية واجتماعية وسياسية. فالأميرة بديعة هي ابنة الملك علي وحفيدة الشريف علي بن الحسين وابنة اخ الملك فيصل الأول، أول ملوك العراق. وشقيقة الملكة عالية زوجة الملك غازي ثاني ملوك العراق ووالدة الملك فيصل الثاني، ثم إنها شقيقة الأمير عبد الإله الذي كان وصيا على عرش الملك فيصل الثاني، وهي والدة الشريف علي بن الحسين المطالب بإعادة الحكم الملكي في العراق.
أهمية مذكرات هذه الأميرة تكمن أيضا في أنها أول شخص من العائلة المالكة التي حكمت العراق (1921 ـ 1958) تخرج عن صمتها وتتحدث بصراحة عما كان يجري داخل أروقة تلك العائلة.
وقد صدرت هذه المذكرات أخيرا عن مكتبة «الحكمة» في لندن تحت عنوان (وريثة العروش)، بقلم فائق الشيخ علي الذي يقول في مقدمته «حينما أؤلف كتابا أكون انأ مصدره وراويه أتمتع بحرية كاملة في البحث والنقل والعرض والنتائج التي اخلص إليها، بينما حينما اكتب كتابا لغيري، اشعر بمسؤولية أخرى تثقل كاهلي، ففضلا عن الدقة في البحث والأمانة في النقل والقوة في العرض، تبرز مشكلة كيفية إيصال حقيقة ما يود الراوي إيصاله إلى المتلقين، من مشاعر ومعلومات وتعابير. وتتضاعف المشكلة عندما يكون الراوي (سيدة) والناقل رجلا (كما نحن عليه الآن) اذ كيف يستطيع الرجل (هنا) ان يتقمص أحاسيس وخلجات امرأة، ليعكسها بصدق وموضوعية إلى الناس؟»!.
ويضيف في السياق ذاته قائلا «لذا آمل بأنني قد وفقت في أداء هذه المهمة، بغض النظر عن مدى اتفاقي او اختلافي مع الأميرة (صاحبة المذكرات) في ما روت، او قيمت. آذ ليس بالضرورة انه يتعين عليّ أن أتبنى، أو حتى أتخلى عن كل ما ورد هنا ».
نفهم من ذلك أن مهمة فائق الشيخ علي كانت إعداد او نقل هذه المذكرات من راويتها أو الإنسانة التي عاشتها إلى القراء بعد صياغتها بأسلوب يتناسب مع نشرها، لهذا كان يتحتم على الشيخ علي أن يدرج اسمه تحت توصيف (إعداد) وليس بقلم أو (المؤلف) كما وصف نفسه هنا، هذا جانب، والجانب الثاني هو ان ناقل المذكرات او معدها يجب عليه ان يبقى محايدا لا يتدخل في ما ينقله او يعلق على ما يدرجه. هذا حسب مقدمته.
اما الأمر الثالث والاهم هو أن المذكرات لا تكتب لتخدم مرحلة زمنية معينة، بل هي مصدر تاريخي يمكن الرجوع إليه في إي وقت أو زمن وان لا تكتب كتقرير سياسي إعلامي.
في هذا الكتاب الذي حمل غلافه تعليقا أسفل العنوان يقول «الأميرة بديعة ابنة الملك علي حفيدة ملك العرب الشريف حسين بن علي تروي سيرة أهلها ملوك وملكات الشام والحجاز والأردن والعراق» ثم « أهم وثيقة عربية في القرن العشرين» نستطيع أن نقرأ وبوضوح لغة إعلامية أكثر منها سياسية.
وفي اعتقادي أن نقل مذكرات آخر من تبقى من العائلة المالكة في العراق ولأول مرة هي فرصة يحرص أكثر من كاتب على تحقيقها. فالأميرة بديعة سردت وحسب رأيها كل ما تعتقده مهماً، تقول « لذا فإن ما ارويه، هو عبارة عن وقائع وأحداث عشتها بنفسي، ومشاهدات شاهدتها بعيني، وحكايات سمعتها بأذني من أهلي، اسردها كما هي، وعلى سجيتي من دون تصنع أو غايات، اترك لكاتبها حرية صياغتها، أو تبويبها، او البحث عنها في بطون الكتب والوثائق كما يشاء، وللآخرين أمر تفسيرها، او تأويلها، او اتخاذ المواقف منها، كما يريدون»، مشيرة في قسم آخر من مدخلها لمذكراتها قائلة «لا أظن أنني أتذكر كل ما جرى في حياتنا، ولا أن كل ما أقوله هو الحقيقة المطلقة، التي لا تقبل الوجه الآخر لها».
ومذكرات مثل هذه تمنح الكاتب حرية التصرف في صياغة ما فيها من أحداث اجتماعية وتاريخية مما قد يجعلها مشروعا لرواية او في الأقل كتابتها بأسلوب روائي يرتقي بها إلى الأعمال الأدبية التي تبقى في ذهن القارئ وليس مجرد أحداث تم تسطيرها بأسلوب تقريري.
لقد افرد الشيخ علي الذي له كتاب سابق بعنوان «اغتيال شعب» ما يزيد عن 16 صفحة للحديث في المقدمة عن جهوده من أجل أقناع الأميرة بديعة بكتابة مذكراتها، مشيرا إلى أن محاولته لتدوين هذه المذكرات تعود الى عشرين عاما خلت، لكن الجهد الذي بذل في أسلوب صياغة المذكرات لا يتلاءم مع انتظار أكثر من عشرين عاما، ذلك ان صياغة المذكرات في كتاب يختلف عن اسلوب نشرها كلقاء صحافي مطول مثلما كان ينوي الشيخ علي فعله حسب ما يذكر «فقد قلت في نفسي لو أنها (يعني الأميرة بديعة) تكتمت أو امتنعت عن الإدلاء بمعلوماتها. فسوف اكتفي بنشر ما تجود به في إحدى الصحف او المجلات في يوليو (تموز) من عام 1998 تحت عنوان مثير وضعته مسبقا: بعد أربعين عاما من الصمت على مجزرة قصر الرحاب، الأميرة بديعة تروي قصتها للتاريخ ».
ويمضي الكاتب في استعراض (جهوده) من أجل إخراج هذه المذكرات إلى الوجود من غير ان يترك لصاحبتها اي فضل في ذلك من قبيل: في يوم الاثنين 14 يوليو (تموز) 1997 تليت كلمات مؤثرة في المجلس التأبيني، أبكت الأميرة بمرارة (....) اغتنمت الفرصة وقلت لها: أما آن الأوان يا سمو الأميرة ان تحكي قصتك للتاريخ؟ من غير ان يتردد (المؤلف) بذكر انجازاته الصحافية. فيقول «صادف في نفس ذلك اليوم بالضبط، ان نشرت لي صحيفة (الحياة) مقالا مطولا عن الأوضاع في تركيا، وخرجت مجلة (الوسط) اللندنية أيضا بمقابلة (صاخبة)، أجرتها مع رئيس وزراء العراق الأسبق في العهد الملكي (المرحوم) الدكتور فاضل الجمالي»، بل انه لم يتوان عن التعريف بنفسه في طوية الغلاف الأول. فتحت عنوان (المؤلف في سطور) ذكر بأنه «صحافي مشهور، نشر العديد من البحوث والتحليلات السياسية المهمة في كبريات الصحف والمجلات العربية الصادرة بلندن». ونشر صورته مرتين ضمن الصور الوثائقية المهمة التي حررتها الأميرة بديعة من خزانتها، مرة إلى جانب لوحة أصلية أنجزها رسام بريطاني للملكة عالية تحتفظ فيها صاحبة المذكرات في منزلها بلندن وتحتها وضع الشيخ علي تعليقا يقول «مؤلف الكتاب يقف إلى جانب لوحة قصر ستانويل الاصلية للملكة عالية»، والصورة الثانية «المؤلف يتحدث إلى الأميرة بديعة في منزلها بلندن».
لقد روت الأميرة بديعة ومثلما ذكرت كل ما تريد أن ترويه أو أهم ما تريد ان ترويه بصراحة حتى أنها لم تخف قصة هروب الأميرة عزة ابنة عمها الملك فيصل الأول من اجل لقاء عشيقها اليوناني وبالتفاصيل الدقيقة، او معاناة شقيقتها الأميرة جليلة من مرض نفسي ومن ثم انتحارها، كما تحدثت بصراحة عن ميول الملك غازي ابن عمها للنساء ولشرب الخمور وانحرافاته. وان كانت في المقابل قد اظهرت شقيقها الأمير عبد الإله وكأنه ملاك لا عيوب بشرية فيه، وربما كان كذلك فهي أكثر معرفة به من الآخرين، خاصة من أبناء جيلنا نحن الذين لم نعاصر الحكم الملكي في العراق، بل كل ما وصلنا هو مجرد كتابات وأخبار وحكايات فيها الكثير من المبالغة سواء سلبا ام إيجابا.
وباعتقادي فإن الأميرة بديعة أنجزت مهمتها بما يرضي ضميرها وقدمت أحداثا كنا كقراء نتوق لمعرفتها عن لسان آخر من تبقى من العائلة المالكة في العراق، وكما قالت في مدخلها فأنها تترك للقارئ حرية البحث أو اتخاذ المواقف من هذه المذكرات.
لكن ما يخدش هذه المذكرات هي المقارنات الواردة فيها بين ايام الحكم الملكي وما حدث من بعده سواء بالأحداث أو الأشخاص. وهي مقارنات تقلل من موضوعية المذكرات وقيمتها التاريخية، وكنت أتمنى أن تسرد المذكرات بعيدا عن التعليق على ما جرى بعدها من حوادث، فالقارئ العراقي خاصة والعربي عامة يستطيع المقارنة والاستنتاج، ونحن نعرف مثلا انه ليست هناك إي مقارنة بين ما أطلق عليه تسمية (القصور الملكية) وقصور صدام حسين اليوم، خاصة انه كانت قد أتيحت لي فرصة كصحافي للإطلاع على قصر الزهور خلال تصوير فيلم (الملك غازي) واستغربت كيف تطلق عليه تسمية قصر وهو لا يعدو كونه بيتا اعتياديا وهناك بيوت تجار عراقيين بسطاء اليوم أكثر فخامة منه بمرات عديدة.
ثم ان المقارنات بين تصرفات أفراد العائلة المالكة وبين من حكم العراق في ما بعد، خاصة في عهد نظام الرئيس صدام حسين غير جائزة على الانطلاق وفيها الكثير من الظلم للعائلة المالكة التي امتازت بالبساطة والتعقل.
اقول أن هذه المقارنات خدشت من موضوعية المذكرات كونها جاءت مثل تعليقات سياسية مثل تلك التي تدرج صحافة المعارضة العراقية على نشرها، ولا ادري ان كانت هذه المقارنات قد ثبتتها الأميرة بديعة بنفسها ام هي من عدنيات الكاتب.
الاعتراض الآخر على هذه المذكرات يكمن في تسلسلها، وهذا الجانب ليس للأميرة بديعة إي علاقة فيه، بل هي من مهمة من صاغها، ذلك أن الأحداث لم تأت متسلسلة تاريخيا، فعندما تتحدث الأميرة بديعة عن مقتل الملك غازي ووفاته سنجد أن حكايات أخرى ترد عن الملك غازي في مواقع أخرى من الكتاب، وهذا ما جرى أيضا للملكة عالية، ومع أحداث أخرى، وكنا نتمنى أن تفرد فصول لكل شخصية مثلا او حسب التسلسل التاريخي للأحداث التي تخللتها تفاصيل مبتورة نثرت هنا وهناك عن الحياة اليومية للعائلة المالكة.
كما ان هناك حوادث لم يجر الاهتمام بصياغتها فجاءت مثل اللغز، مثل ما ورد مثلا في الصفحة (200) وفي سياق حديث الأميرة بديعة عن وفاة والدها (وفاة ملك عظيم)، فهي تروي بأنها ذهبت إلى قصر الحارثية مع أمها لشرب الشاي مع الملكة عالية وأخواتها اللواتي سبقنها الى قصر الحارثية «وبعد أن مررنا انا وأمي على أبي في بيته» ثم نقرأ ان جرس الهاتف رنّ فجأة طالبين عودتهم بسرعة الى بيتهم وهذا يعني الى بيت والدها، تقول «هرعنا الى بيتنا واغلب ظننا بأن مكروها وقع لأخي عبد الإله» وتمضي قائلة «بالقرب من منطقة الصالحية شاهدنا اخي يسوق سيارته الصغيرة المكشوفة مرتديا سدارته، فتيقنا بأنه سالم، فحمدنا الله. كان والدي هو الآخر قد خرج يقود سيارته بنفسه ولهذا لم نعرف ماذا حصل بالضبط. استدار أخي بسيارته وتبعنا إلى البيت» والى آخر الحديث حيث يصلون إلى البيت ليجدوا الأب متعبا وليغيب عن الوعي يوما كاملا «حتى وافته المنية ».
ولا اعرف كيف يتم تفسير هذه الحادثة؟ حيث شاهدت الأميرة بديعة أخاها الأمير عبد الإله يقود سيارته وكان والدها قد خرج أيضا يقود سيارته بنفسه ثم تعود إلى البيت حسب نداء عاجل لتجد والدها في وضع صحي صعب يفارق على أثره الحياة؟! كما فاتت الكاتب بعض المعلومات البسيطة التي يعرفها إي عراقي عاش ببغداد آو مر بها خاصة وهو في طريقه إلى مدينة النجف الأشرف ، حيث كان يقيم فائق الشيخ علي، ففي الصفحة (313) وخلال رواية الأميرة بديعة أحداث (صبيحة اليوم الأسود) والذي تعني فيه ما حدث صباح يوم 14 يوليو (تموز) عام 1958 حين اغتيلت العائلة المالكة في قصر الرحاب، تقول «كان باستطاعتي ان أرى القصر عن بعد من بيتي (كان بيت الأميرة بديعة يقع في حي المنصور القريب جدا من قصر الرحاب) فلا يفصلنا عنه سوى نهر دجلة وجسر الخر الذي يقع عليه» فإذا كان قد فات الأميرة بديعة التي فارقت العراق منذ عام 1958 بأن جسر الخر يقع على قناة صغيرة للغاية تدعى مجازا (نهر الخر) وليس على نهر دجلة الذي يقع بعيدا عن قصر الرحاب وحي المنصور، فكيف فاتت هذه المعلومة البسيطة عن (المؤلف) وهو الذي ترك العراق عام 1991 بعد ان كان قد درس في مدينة بغداد؟ أن أهم ما في صياغة المذكرات هو توخي الموضوعية والدقة في التفاصيل الصغيرة والكبيرة.
أن ابرز ما في مذكرات الأميرة بديعة وبالإضافة للأحداث التي روتها هي الصور الوثائقية التي تنشر للمرة الأولى وهي بحد ذاتها وثائق تاريخية تظهر حقيقة الحياة البسيطة التي كانت تعيشها العائلة المالكة سواء كملوك آو أمراء آو أميرات. فنحن نشاهد كيف كان الملك فيصل الثاني يتجول بين الناس من غير حراسة او حماية خاصة، ولو كانت مثل هذه الحماية موجودة لما كان قد اقتحم قصر الرحاب نفر من العسكريين ولما تجرأ عسكري مثل العبوسي بإبادة عائلة بأكملها، وهو مشهد بقي آباؤنا وأمهاتنا يتذكرونه بالحزن والبكاء حتى يومنا هذا.
لقد قالت الأميرة بديعة ما عندها وحررت الأحداث التاريخية من معقلها آو أنها حررت نفسها من تلك الأحداث. ومن حقها ان تدافع عن افراد عائلتها التي نتفق بأنها تعرضت للكثير من الظلم ومن ثم الإبادة.
قالت وجهة نظرها المدموغة بالوثائق، وهذه هي المرة الأولى التي نقرأ فيها هذه الحقائق وتلك التفاصيل من وجهة نظر العائلة المالكة بعد ان كنا وعلى مدى أكثر من (44) عاما نقرأ الأحداث المتناقضة من وجهات نظر العديد من الكتاب والمؤرخين والمدعين، وما أوردته الأميرة بديعة هو شهادة للتاريخ وللأجيال قبل كل شيء.
لندن: معد فياض
* الكتاب: مذكرات وريثة العروش
*الكاتب: فائق الشيخ علي
* الناشر: مكتبة الحكمة ـ لندن ]]]]





